وحش المصعد !!

محمد العصيمي

صدم الناس ــ كما يصدمون مؤخرا كل يوم ــ بالطفلة التي اعتدى عليها وحش كاسر أمام وداخل مصعد عمارة بيتهم. ولأن الناس قليلو الحيلة ــ مثلي هنا ــ فليس بيدهم ستداول الفيديو الذي سجلته كاميرا المراقبة لحسن حظنا وحظ هذه البنت وأهلها.

وقد قلت من قبل أكثر من مرة إن الكلام الكبير والكثير عن ضبط سلوكيات الناس العامة بالنصيحة و(الطبطبة) وإحالتهم إلى الأسباب النفسية لن ينتج السلامة الاجتماعية التي هي شغل الأهالي الشاغل هذه الأيام. وإذا كنا تأخرنا أو أجلنا وضع قوانين صارمة تحد من غلواء المتوحشين من البشر، فإن ما حدث لهذه البنت التي استضعفها هذا (الفالت)، وما يحدث خلف الأسوار التي لا نعلم ما وراءها سيتحول إلى ظاهرة تكلفنا الكثير من الضحايا الصغار والكبار. وحينها ــ بطبيعة الحال ــ لن ينفع الندم أو أحاديث التلفزيون التي تبلط البحر وتدهن السماء. نحن أمام متغير اجتماعي كبير فرضته علينا طبائع حياتنا الحالية، التي يتعرض فيها الناس لكثير من محرضات التحرش والاعتداء على الآخرين. ولدى الكثيرين ضغوطهم ومشكلاتهم الشخصية، التي إن لم تعالج بالقوانين أولا، فسيعالجونها هم، بجهل وعنف، على طريقتهم. وإذا كنا ــ كمجتمع ــ عرفنا هذا التوحش وهذه (الموبقات) في السنوات الأخيرة، فقد عرفتها مجتمعات أخرى قبلنا بكثير، وتعاملت معها بالقوانين المغلظة الرادعة التي تجعل كل أب ــ على سبيل المثال ــ يفكر ألف مرة قبل أن يصفع ابنته. وتجعل المتوحش الفلتان يفكر مليون مرة قبل أن يمد يده إلى جسد طفلة يسكنها ــ وحيدة ــ الرعب من منظره وتوقع ما يحدث منه على براءتها. وبعد القوانين المشددة التي لا تقبل بأي حال من الأحوال التأجيل، أو في الطريق إليها، لا بد أن يتخلص أولياء الأمور أنفسهم من هذا الإهمال المزمن الذي يعيشونه مع أبنائهم وبناتهم، إذ ليس من العقل في شيء أن تترك ابنك أو ابنتك الصغيرة تقطع المسافة بين المدرسة والبيت لوحدها، وهي تتلفت خوفا من تعرضها لوحش أو عابر سبيل (صايع). على الآباء والأمهات مسؤولية العناية بأبنائهم وبناتهم وملازمتهم في كل متر خارج البيت. وما نراه في أحيائنا وأسواقنا وكل الأماكن العامة من مشي أو تحرك الصغار منفردين وبعيدين عن أعين أهاليهم يجب أن يختفي. وهو لن يختفي ــ في ظني ــ إلا إذا أرفقنا قانون التحرش بمعاقبة ولي الأمر المهمل، الذي يجب بدون أدنى نقاش أن يتحمل مسؤوليته في حفظ صغاره وإحاطتهم بعنايته ليكف عنهم أي أذى محتمل يدمر نفسياتهم وحياتهم. وأخيرا وليس آخرا، فإن الناس ــ تكرارا ــ لم يعودوا يقبلون هذه الإحالات، للمعتدين والوحوش، على الأسباب النفسية، فالضرر الذي يقع على طفل أو طفلة لا تعدله ــ من وجهة النظر الاجتماعية ــ كل العقوبات، وحتى المجانين رسميا مكانهم مستشفى سجن المجانين الذي يحبس جنونهم وتوحشهم عن الآخرين.

------------------------

المصدر: صحيفة عكاظ

أضف تعليق


كود امني
تحديث